كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 188 """"""
في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا ؟ قال : هو الصفا الزلال الذي لا تثبت عليه إلا أقدام العلماء .
وروى الأصفهاني بسند رفعه إلى ابن كناسة قال : اصطحب شيخ مع شاب في سفينة في الفرات ومعهم مغنية . فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ : معنا جارية وهي تغني ، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك ، فإن أذنت فعلنا . فقال : أنا أصعد على أطلال السفينة ، فاصنعوا أنتم ما شئتم ، فصعد وأخذت المغنية عودها وغنت :
حتى إذا الصبح بدا ضوءه . . . وغابت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفي كما . . . ينساب من مكمنه الأرقم
فطرب الشيخ وصاح ، ثم رمى بنفسه وبثيابه في الفرات وجعل يغوص ويطفو ويقول : أنا الأرقم أنا الأرقم فألقوا أنفسهم خلفه ، فبعد لأي ما استخرجوه ، وقالوا : يا شيخ ، ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : إليكم عني ، فإني أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون . فقالوا له : ما أصابك ؟ قال : دب من قدمي شيء إلى رأسي كدبيب النمل ونزل من رأسي مثله ، فلما اجتمعا على قلبي عملت ما عملت .
وقال أحمد بن أبي داود : كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله ، فخرج المعتصم يوماً إلى الشماسية في حراقة ، ووجه في طلبي فصرت إليه . فلما قربت منه سمعت غناء حيرني وشلني عن كل شيء ، فسقط سوطي عن يدي ، فالتفت إلى غلامي أطلب منه سوطاً ، فقال لي : قد والله سقط مني سوطي . فقلت له : أي شيء كان سبب سقوطه ؟ قال : صوت سمعته فحيرني ، فما علمت كيف سقط ، فإذا قصته قصتي . قال : وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفز الناس منه فيغلب على