كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
لا يدفعون هواماً عن وجوههم . . . كأنهم خشبٌ بالقاع منجدل
فشربت الرطل ثم قمت . فدعوت له ، فأحتبسني وقال : أتشتهي أن تسمعه بالله ؟ فقلت : إي والله ، فغنانيه ثانية وثالثة ، وصاح ببعض خدمه وقال : احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم . قال : يا إسحاق ، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم ، فأنصرف إلى أهلك مسروراً ليسروا معك ، فأنصرفت بالمال . وقال أبو الفرج بسنده إلى عريب المأمونية قالت : صنع الواثق بالله مائة صوت ما فيها صوت ساقط . ولقد صنع في هذا الشعر :
هل تعلمين وراء الحبّ منزلةً . . . تدني إليك فإن الحبّ أقصاني
هذا كتاب فتىً طالت بليّته . . . يقول يا مشتكي بثّي وأحزاني
قال : وكان الواثق بالله إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره فقال : وقع إلينا صوتٌ قديمٌ من بعض العجائز فأسمعه ، وأمر من يغنيه إياه . وكان إسحاق يأخذ نفسه بقول الحق في ذلك أشد أخذ ، فإن كان جيداً رضيه وأستحسنه وإن كان فاسداً أو مطرحاً أو متوسطاً ذكر ما فيه . فإن كان للواثق فيه هوىً سأله تقويمه وإصلاح فاسده وإلا اطرحه . وقال إسحاق بن إبراهيم : كان الواثق أعلم الناس بالغناء ، وبلغت صنعته مائة صوت ، وكان أحذق من غنى بضرب العود ، ثم ذكر أغانيه . وذكر أبو الفرج الأصفهاني منها أصواتا ؛ منها :
ولم أر ليلى غير موقف ليلةٍ . . . بخيف منىً ترمى جمار المحصّب
ويبدي الحصى منها إذا خذفت به . . . من البرد أطراف البنان المخضّب

الصفحة 191