كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 195 """"""
شاه أفرند قتل مع المازيار وسبيت شكلة فحملت إلى المنصور فوهبها لمحياة أم ولده فربتها وبعثت بها إلى الطائف فنشأت هناك ، فلما كبرت ردت إليها . فرآها المهدي فأعجبته فطلبها من محياة فأعطته إياها فولدت له إبراهيم .
قال أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم قال : كان إبراهيم بن المهدي أشد خلق الله إعظاما للغناء وأحرصهم عليه وأشدهم منافسةً فيه . قال : وكانت صنعته لينة فكان إذا صنع شيئا نسبه إلى غيره لئلا يقع عليه طعن أو تقريع فقلت صنعته في أيدي الناس مع كثرتها . وكان إذا قيل له فيها شيء يقول : إنما أصنع تطربا لا تكسبا وأغني لنفسي لا للناس فأعمل ما أشتهي . قال : وكان حسن صوته يستر عوار ذلك . وكان الناس يقولون : لم ير في جاهليةٍ ولا إسلامٍ أخٌ وأخت أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته علية . وكان إبراهيم يجادل إسحاق ويأخذ عليه في مواطن كثيرة إلا أنه كان لا يقوم له ويظهر إسحاق خطأه . ووقع بينهما في ذلك بين يدي الرشيد وفي مجلسه كلامٌ كثير أفضى إلى أمور نذكرها إن شاء الله تعالى في أخبار إسحاق بن إبراهيم .
وكان إبراهيم بن المهدي في أول أمره يتستر في الغناء بعض التستر إلا أنه يذكره في مجلس الرشيد أخيه . فلما كان من أمره في الوثوب على الخلافة ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة العباسية عند ذكرنا لخلافة المأمون بن الرشيد ، ثم لما أمنه المأمون بعد هربه منه تهتك بالغناء ومشى مع المغنين ليلا إذا خرجوا من عند المأمون ، وإنما أراد المأمون بذلك ليظهر للناس أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه وأنه تهنك فلا يصلح للخلافة . وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم في الغناء وأحسنهم صوتا . وكان مع علمه وطبعه ومعرفته يقصر عن الغناء القديم وعن أن ينحوه في صنعته . فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة العمل حذفا شديدا ويحققها على قدر ما يصلح له ويفي بأدائه فإذا عيب ذلك عليه قال : أنا ملك وأبن ملكٍ وإنما أغني على ما أشتهي وكما ألتذ . فهو أول من أفسد الغناء القديم .
وروى عن حمدون بن إسماعيل قال : قال إبراهيم بن المهدي : لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت منها ما يعلم الناس معه أنهم لم يروا قبلي مثلي .