كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 267 """"""
الليل ولا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه ، فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه ، وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد فيؤديها نغماً بغير لفظ . وجعل حمزة كلما غدا أو راح رآه ملازما لبابه ؛ فقال لغلامه يوما : أدخل هذا الغلام إلي فأدخله الغلام إليه ؛ فقال له حمزة : من أنت ؟ قال : غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فهبطنا إليكم ومعي أمٌ لي وإخوةٌ ، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتاً أعجبني ولزمت بابك من أجله . قال : فهل تعرف منه شيئا ؟ قال : أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر . فقال : إن كنت صادقاً إنك لفهمٌ . ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا فغناه ، ثم قال لمالك : هل تستطيع أن تقوله ؟ قال نعم . قال : هاته ؛ فأندفع فغناه فأدى نغمه بغير شعر ، يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته ومتعلقاته لا يخرم منه حرفا . فقال لمعبد : خذ هذا الغلام إليك وخرجه فليكونن له شأنٌ . قال معبد : ولم أفعل ذلك ؟ قال : لتكون محاسنه منسوبة إليك وإلا عداك إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبةً إليه . فقال معبد : صدق الأمير ، وأنا أفعل ما أمرتني به . قال حمزة لمالك : كيف وجدت ملازمتك لبابنا ؟ قال : أرأيت إن قلت فيك غير الذي أنت له مستحق من الباطل أكنت ترضى بذلك ؟ قال لا . قال : وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل ؛ قال نعم . قال : فوالله ما شبعت على بابك شبعةً قط ، ولا أنقلبت إلى أهلي منه بخير . فأمر له ولأمه ولإخوته بمنزل وأجرى عليهم رزقاً وكسوةً وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبدٍ يسقيهم الماء ، وأجلس مالكا معه في مجالسه ، وأمر معبداً أن يطارحه فلم ينشب أن مهر . فخرج مالك يوما فسمع أمرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن خشرم والشعر لأخي زيادة :
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكب . . . رهينة رمسٍ ذي ترابٍ وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابني . . . وذلك أنّي جاهدٌ غير مؤتلي
فلا يدعني قومي لزيد بن مالكٍ . . . لئن لم أعجّل ضربةً أو أعجّل
وإلاّ أنل ثأري من اليوم أو غدٍ . . . بني عمّنا فالدّهر ذو متطوّل
أنختم علينا كلكل الحرب مرةً . . . بني عمّ ؟ نا منيخوها عليكم بكلكل

الصفحة 267