كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 276 """"""
السطح ليقرب من الصوت ، ثم بعث إلى الدلال : إما أن تزورنا وإما أن نزورك . فبعث إليه الدلال بل تزورنا . فبعث الشامي ما يصلح ومضى إليه بغلامين من غلمانه كأنهما درتان مكنونتان . فغناه الدلال ، فأستحسن الشامي غناءه فقال : زدني ؛ قال : أو ما يكفيك ما سمعت قال : لا والله ما يكفيني . قال : فإن لي حاجة . قال : وما هي ؟ قال : تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما ، فقال : أختر أيهما شئت ، فأختار أحدهما ، فقال له الشامي : هو لك ؛ فقبله منه الدلال ، ثم غناه وغنى :
دعتني دواعٍ من أريّا فهيّجت . . . هوىً كان قدماً من فؤاد طروب
لعل زماناً قد مضى أن يعود لي . . . فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي
سبتني أريّا يوم نعف محسّرٍ . . . بوجهٍ جميلٍ للقلوب سلوب فقال له الشامي : أحسنت . ثم قال له أيها الرجل الجميل ، إن لي إليك حاجةً ، قال الدلال : وما هي ؟ قال : أريد وصيفةً ولدت في حجر صالح ونشأت في خير ، جميلة الوجه مجدولةً وضيئةً جعدةً في بياض مشربةً حمرةً حسنة الهامة سبطةً أسيلة الخد عذبة اللسان لها شكلٌ ودلٌ تملأ العين والنفس . فقال له الدلال : قد أصبتها لك ، فما لي عندك إن دللتك عليها ؟ قال : غلامي هذا . قال : إذا رأيتها وقبلتها فالغلام لي ؟ قال نعم . قال : فأتي أمرأةً كنى عن أسمها ، فقال لها : جعلت فداءك نزل بقربي رجلٌ من قواد هشام ، له ظرف وسخاءٌ ، وجاءني زائرا فأكرمته ، ورأيت معه غلامين كأنهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب الزاهرة ما وقعت عيني على مثلهما ولا يطول لساني بوصفهما ، فوهب لي أحدهما والآخر عنده ، وإن لم يصر إلي فنفسي ذاهبةٌ . قالت : وتريد ماذا ؟ قال : طلب مني وصيفةً على صفةٍ لا أعلمها إلا في أبنتك ، فهل لك أن تريد إياها ؟ قالت : وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها ؟ قال : إني قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع . قالت : شأنك ، لا يعلم هذا أحد . فمضى الدلال وأتى بالشامي . فلما صار إلى المرأة وضع له كرسيٌ وجلس . فقالت له المرأة : أمن العرب أنت ؟ قال نعم . قالت : من أيهم ؟ قال : من خزاعة . قالت : مرحبا