كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 278 """"""
جيد الصنعة حسن الزي والمروءة فقيهاً قارئا للقرآن . وقيل : إنه كان معدل الشهادة بالمدينة . وأدرك دولة بني أمية وبقي إلى أول أيام الرشيد . وكان يغني مرتجلا .
وحكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه قال : لما أستخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة فأمره بإشخاص عطردٍ المعنى إليه ، ففعل . قال عطرد : فدخلت على الوليد وهو جالسٌ في قصره على شفير بركة مرصصةٍ مملوءةٍ خمرا ليست بالكبيرة ولكنها يدور الرجل فيها سباحةً . قال : فوالله ما تركني أسلم حتى قال : أعطرد ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين . قال : ما زلت إليك مشتاقاً يا أبا هارون ، غنني :
حيّ الحمول بجانب العزل . . . إذ لا يشاكل شكلها شكلي
الله أنجح ما طلبت به . . . والبرّ خير حقيبة الرّحل إني بحبلك واصلٌ حبلي . . . وبريش نبلك رائشٌ نبلي
وشمائلي ما قد علمت وما . . . نبحت كلابك طارقاً مثلي
قال : فغنيته إياه ، فوالله ما أتممته حتى شق حلة وشي كانت عليه لا أدري كم قيمتها ، فتجرد منها كما ولدته أمه ، وألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت أنها قد نقصت نقصاناً بينا ، وأخرج منها وهو كالميت سكرا ، فأضجع وغطى ؛ فأخذت الحلة وقمت وأنصرفت إلى منزلي متعجباً من فعله . فلما كان في غد ، جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني . فلما دخلت عليه قال : يا عطرد ؟ قلت : لبيك يا أمير المؤمنين قال : غنني :
أيذهب عمري هكذا لم أنل به . . . مجالس تشفى قرح قلبي من الوجد

الصفحة 278