كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 280 """"""
إنه للمستنير به . . . قمرٌ قد طمّس السّرجا
ويغنّي الشعر ينظمه . . . سيّد القوم الذي فلجا
أكمل الواديّ صنعته . . . في كتاب فاندمجا
أراد الوليد بن يزيد بقوله : سيد القوم نفسه .
ذكر أخبار حكم الوادي
هو أبو يحيى الحكم بن ميمون ، وقيل : الحكم بن يحيى بن ميمون . مولى الوليد بن عبد الملك ، كان أبوه حلاقا يحلق رأس الوليد ، فأشتراه فأعتقه . وكان حكمٌ طويلا أحول ، يكري الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة . وقيل : كان أصله من الفرس . وكان واحد عصره في الحذق ، وكان يغني بالدف ويغني مرتجلا . وعمر عمرا طويلا ، غنى الوليد بن عبد الملك ، وغنى الرشيد ، ومات في الشطر من خلافته . وأخذ الغناء عن عمر الوادي ، وقد قيل : إن عمر أخذ عنه . قال حماد بن إسحاق قال لي أبي : أربعةٌ بلغت في أربعة أجناس من الغناء مبلغاً قصر عنه غيرهم : معبدٌ في الثقيل ، وابن سريج في الرمل ، وحكم في الهزج ، وإبراهيم في الماخوري . قال أبو الفرج الأصفهاني : وزار حكمٌ الوادي الرشيد ، فبره ووصله بثلثمائة ألف درهم ، وخيره فيمن يكتب له بها عليه ؛ فقال : أكتب لي بها على إبراهيم بن المهدي وكان إبراهيم إذ ذاك عاملا له بالشام فقدم عليه حكمٌ بكتاب الرشيد ؛ فأعطاه ما كتب له به ، ووصله بمثل ذلك ، إلا أنه نقصه ألف درهم من الثلثمائة ألف ، وقال له : لا أصلك بمثل ما وصلك أمير المؤمنين . قال إبراهيم بن المهدي : وأقام عندي ثلاثين يوماً أخذت عنه فيها ثلثمائة صوت ، كل صوت أحب إلي من الثلثمائة ألف التي وهبتها له . وقيل : إنه لم يشتهر بالغناء حتى صار إلى بني العباس ، فأنقطع إلى محمد بن أبي العباس ، وذلك في خلافة المنصور ، فأعجب به وأختاره على المغنين وأعجبته أهزاجه . وكان يقال : إنه أهزج الناس . ويقال : إنه غنى الأهزاج في آخر عمره ؛ فلامه ابنه على ذلك وقال : أبعد الكبر تغني غناء المخنثين فقال له : اسكت فإنك جاهل ، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت ، وغنيت الأهزاج منذ سنتين فكسبتك ما لم تر مثله قط . والله أعلم .