كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 44 """"""
أمن صهباء صافية المزاج . . . كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتى . . . لقد صارت من النطف النضاج
تهش لها القلوب وتشتهيها . . . إذا برزت ترقرق في الزجاج
أقاد إلى السجون بغير جرم . . . كأني بعض عمال الخراج
فلو معهم حبست لكان سهلاً . . . ولكني حبست مع الدجاج
وقد كانت تخبرني ذنوبي . . . بأني من عقابك غير ناج
على أني وإن لاقيت شراً . . . لخيرك بعد ذاك الشر راجي
فاستدعاه المنصور وقال : أين حبست يا أبا دلامة ؟ قال : مع الدجاج . قال : فما كنت تصنع ؟ قال : أقوقي معهم إلى الصباح ، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة . فلما خرج قال الربيع : إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين ، أما سمعت قوله : وقد طبخت بنار الله ؟ يعني الشمس قال : لا والله ، ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع . فضحك المنصور وقال : خذها يا ربيع ولا تعاود التعرض له .
وروى عن المدائني قال : دخل أبو دلامة على المهدي وعند إسماعيل بن علي وعيسى بن موسى والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم ، فقال له المهدي : أنا أعطي الله عهداً إن لم تهج واحداً ممن في البيت ، لأقطعن لسانك أو لأضربن عنقك . فنظر إليه القوم ، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأن علي رضاك . قال أبو دلامة : فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بد منها ، فلم أر أحداً أحق بالهجاء مني ولا أدعي إلى السلامة من هجاء نفسي ، فقلت :
إلا أبلغ لديك أبا دلامه . . . فلست من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة كان قرداً . . . وخنزيراً إذا نزع العمامه
جمعت دمامة وجمع لؤماً . . . كذاك اللؤم تتبعه الدمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا . . . فلا تفرح فقد دنت القيامه

الصفحة 44