676-[بلاهة الحمام]
قال صاحب الدّيك: وكيف يكون للحمام من المعرفة والفطنة ما تذكرون، وقد جاء في الأثر [1] : «كونوا بلها كالحمام» ! وقال صاحب الدّيك: تقول العرب: «أخرق من حمامة» [2] ، وممّا يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص [3] : [من مجزوء الكامل]
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه
فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، وإحكامها لصنعة عشاشها وأفاحيصها.
وإن قلتم: إنّه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي والبرّيّ، فقد أخرجتم بعض الحمام من حسن التّدبير. وعبيد لم يخصّ حماما دون حمام.
677-[رغبة عثمان في ذبح الحمام]
وحدّث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدّث أنّ عثمان ابن عفّان- رضي الله تعالى عنه- أراد أن يذبح الحمام ثمّ قال: «لولا أنّها أمّة من الأمم لأمرت بذبحهن، ولكن قصّوهنّ» . فدلّ بقوله: قصّوهنّ على أنّها إنما تذبح لرغبة من يتّخذهنّ، ويلعب بهنّ من الفتيان والأحداث والشّطّار، وأصحاب المراهنة والقمار، والذين يتشرّفون على حرم الناس والجيران، ويختدعون بفراخ الحمام أولاد النّاس، ويرمون بالجلاهق [4] وما أكثر من قد فقأ عينا وهشم أنفا، وهتم فما، وهو لا يدري ما يصنع، ولا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب جنايته هدرا؛ ويعود ذلك الدّم مطلولا بلا عقل ولا قود ولا قصاص ولا أرش؛ إذ كان صاحبه مجهولا.
__________
[1] ورد الأثر في البيان والتبيين 2/242. وعيون الأخبار 2/72، ومحاضرات الراغب 2/300.
[2] مجمع الأمثال 1/255، وجمهرة الأمثال 1/431، والمستقصى 1/99، وأمثال ابن سلام 366، وثمار القلوب (682) .
[3] ديوان عبيد ابن الأبرص 126، وعيون الأخبار 2/72، وهما لسلامة بن جندل في ديوانه 248، والنظام الغريب 208.
[4] الجلاهق كلمة فارسية تعنى الطين المدور الذي يرمى به عن القوس، انظر المعرب للجواليقي 42.