كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 5)
"""""" صفحة رقم 229 """"""
بالصديق ، والغادر الماكر الذي ما أخوفني أن مكره بي وبك سيحيق . فاقتصر على القليل منها ، واعلم أنك سترحل في غدٍ عنها ، وان الموت نازلٌ بك فلا ينفعك ما جمعته من مالٍ وخول ، ولا يصحبك من الدنيا إلا ما قدمته لآخرتك من صالح اعمل ، وان مالك سيقتسمه من لعله لا يشكرك عليه ، وما ذا ينفعك شكره لو أن فعل وغاية ما ينالك من دنياك ، وغن بلغت منها مناك ، وطال بها مداك ، أن تتمتع بزهرتها ، وتنال من لذتها ، وقد علمت بالمشاهدة من حالك وحال غيرك ما يؤول أمر ملاذها إليه في العاجل ، وما يتوقع لمن اقتصر من دنياه عليها في الآجل ، فالمأكل والمشرب صائران إلى ما عملته وإنما تحصل اللذة بهما قبل الازدراد ، والمنكح والمركب فأنت وهما في الموت والفناء على ميعاد ، والملابس فستخلقها الأيام بعد الجدة ، والمساكن فستعفى الليالي آثارها ولو بعد مدة . فإذا علمت أن مآل الدنيا إلى الزوال ، وقصارها إلى الانتقال ، وملاذها إلى هذه الغاية ، والعمر فيها وإن طال سريع الناهية ، فتقلل منها حسب طاقتك ، واقتصر على ما تسد به بعض خلتك وفاقتك ، واعمل لآخرتك التي لا ينقضي أمدها ، ولا يفنى من النعيم الدائم مددها . وقد أمرتك الخير وليتني به لو ائتمرت ، وأوضحت لك سبيل الرشاد وليتني به لو مررت .
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به . . . وما استقمت فما قولي لك : استقم
وسأورد إن شاء الله على سمعك من هذا الباب ما إن تمسكت به كان سبباً لإرشادك ، وذخيرةً تجدها في يوم معادك .
ذكر بيان حقيقة الزهد
قال الإمام الأوحد العالم زين الدين حجة المتكلمين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بإحياء علوم الدين : اعلم أن الزهد في الدنيا مقامٌ شريفٌ من مقامات السالكين . وينتظم هذا المقام