كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 5)

"""""" صفحة رقم 235 """"""
الدرجات ، فينبغي أن يكون الزهد في أفضل المقامات . ولما سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قوله تعالى : " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام " وقيل له : ما هذا الشرح ؟ قال : " إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح " . قيل : يا رسول الله ، هل لذلك من علامة ؟ قال : " نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " استحيوا من الله حق الحياء " قالوا : إنا نستحي من الله ، فقال : " ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون " . فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله . وقدم وفدٌ على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : إنا مؤمنون . قال : " وما علامة إيمانكم ؟ " فذكروا الصبر على البلاء ، والشكر على الرخاء ، والرضا بمواقع القضاء ، وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء . قال : " إن كنتم كذلك فلا تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون " ، فجعل الزهد تكملة إيمانهم . وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر في أصحابه بإبل عشار حفل وهي الحوامل ، وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم ، لأنها تجمع بين اللحم واللبن والوبر والظهر ، فأعرض عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وغض بصره . فقيل له : يا رسول الله ، هذه أنفس أموالنا ، لم لا تنظر إليها ؟ فقال : " قد نهاني الله عن ذلك " ، ثم تلا قوله تعالى : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى " . وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قلت : يا رسول الله ، ألا تستطعم الله فيطعمك ؟ قالت : وبكيت لما رأيت به من الجوع . فقال : " يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهباً لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ يا عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلى الصبر على مكروه الدنيا والصبر عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال : " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " والله مالي بدٌ من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا حول ولقوة إلا بالله " . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة : البس لين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ، ومر بصنعة طعامٍ

الصفحة 235