كتاب جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير (اسم الجزء: 2)
أدلة النافين لحجية القياس
احتجوا بوجوهٍ، أحدها: قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (¬1)
والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله. وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((تعمل هذه الأمة بُرْهةً بالكتاب وبُرْهةً بالسنة وبُرْهةً بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضَلُّوا)) (¬2) . وثالثها: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يذمُّون القياس، قال الصدِّيق رضي الله عنه: ((أيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتاب الله برأيي)) (¬3) ، وقال عمر رضي الله عنه: ((إيَّاكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداءُ السُّنَن (¬4)
أعْيَتْهم الأحاديثُ أن يُحْصُوها (¬5) ،
فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأضلُّوا)) (¬6) . وقال
¬_________
(¬1) ابن عباس رضي الله عنهما لما قالت المرأة الخثعمية: أفأحجُّ عنه؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم، فإنه لو كان على أبيك دَيْن قضيتِهِ)) . ومما يشابه حديثَ المصنف حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما في رجلٍ سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حج أبيه، وهو شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، فقال له: ((أفرأيتَ لو كان عليه دَيْنٌ فقضيْتَه أكان مُجْزِئاً؟)) قال: نعم. قال: ((فحجَّ عن أبيك)) رواه النسائي في سننه الصغرى (5408) ، والبيهقي في سننه الكبرى (4 / 429) . وكذلك حديث ابن عباس عن امرأةٍ من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: ((نعم حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّكِ دَيْنٌ أكنْتِ قاضيتَه؟ ، اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء)) رواه البخاري (1852) .
(
) سورة المائدة، من الآية: 47.
(¬2) رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (10 / 240) ، والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (1 / 449) ، وابن حنبل في: العلل ومعرفة الرجال (1 / 470) ، والعُقيلي في: الضعفاء (1 / 207) ، وابن حزم في الإحكام (2 / 225) وغيرهم، وجميعها ليس فيها لفظ ((القياس)) بل مكانها ((الرأي)) والحديث ضعَّفه الهيثمي في مجمع الزوائد (1 / 179) ، والألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (2457) . وقال الزركشي: ((هذا حديث لا تقوم به حجة)) المعتبر ص 226.
(¬3) رواه البيهقي في شعب الإيمان (2 / 424) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 834) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (6 / 136) . وقال ابن كثير في تفسيره (1 / 16) بأنه منقطع. وأورد ابن حجر الحديث من طريقين كلاهما فيه انقطاع، ثم قال: ((لكن أحدهما يقوي الآخر)) فتح الباري
13 / 336.
(¬4) في ق: ((الدِّين)) ولم أجدها في روايات الأثر، ولعلَّها تحريف.
(¬5) في ن: ((يُحصِّلوها)) ولم أجدها فيما وقفت عليه من روايات الأثر، وفي س: ((يحصرها)) وهو خطأ
نحوي، لأن الواجب اتصال واو الجماعة بها ليكون من الأفعال الخمسة. والصواب: ((يحصروها)) ، والذي وجدته في الأثر لفظ ((يحفظوها)) .
(¬6) أخرجه الدارقطني في سننه (4 / 146) ، والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (1 / 453) ، وابن حزم في: الإحكام (2 / 780) ، وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (2/ 1042، 1043) . قال ابن القيم - بعد سوقه جملةً من الآثار عن عمر رضي الله عنه هذا أحدُها - قال: ((وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة)) إعلام الموقعين (1 / 63) .