كتاب السيرة النبوية لابن كثير (اسم الجزء: 3)
مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ.
قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ.
فَمَضَى النَّاسُ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي مَحْبِسِهِمْ ذَلِك: جلبنا الْخَيل من أجأ وَفرع * تعر من الْحَشِيش إِلَى الْعُكُومُ (1) حَذَوْنَاهَا مِنَ الصَّوَّانِ سِبْتًا * أَزَلَّ كَأَنَّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ (2) أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ * فَأُعْقِبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ (3) فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوَّمَاتٌ * تَنَفَّسُ فِي مناخرها سموم (4) فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا * وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ فَعَبَّأْنَا أَعِنَّتَهَا فَجَاءَتْ * عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ (5) بِذِي لَجَبٍ كَأَنَّ الْبِيضَ فِيهِ * إِذَا بَرَزَتْ قَوَانِسُهَا النُّجُومُ (6) فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلَّقَتْهَا * أَسِنَّتُنَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ (7) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ (8) يَتِيمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخرج بِي فِي سَفَره ذَلِك مرد فِي
__________
(1) أجأ: أحد جبلي طئ وَالْآخر سلمى.
وَفرع: أطول جبل بأجأ وأوسطه.
وتعر: تطعم وتشبع.
وَالرِّوَايَة عِنْد السُّهيْلي: تقر.
بِالْقَافِ، وَقَالَ: تقر أَي يجمع بَعْضهَا إِلَى بعض.
والعكوم: جمع عكم وَهُوَ الْجَانِب.
(2) حذوناها: جعلنَا لَهَا نعالا من حَدِيد.
والصوان: حِجَارَة ملس، والسبت: النِّعَال الَّتِي تصنع
من الْجُلُود المدبوغة.
والازل: الاملس.
والاديم: الْجلد.
(3) معَان: مَوضِع بِالشَّام.
والفترة: السّكُون والضعف.
والجموم: اجْتِمَاع الْقُوَّة.
(4) سموم، بِضَم السِّين، جمع سم وهما عرقان فِي خيشوم الْفرس.
والسموم بِفَتْح السِّين: ريح حارة.
وَفِي ابْن هِشَام: فِي مناخرها السمُوم.
(5) البريم: كل مَا فِيهِ لونان مختلطان، والدمع الْمُخْتَلط بالاثمد.
(6) اللجب: اخْتِلَاط الاصوات من كَثْرَة الْجَيْش.
والقوانس: جمع قونس وَهُوَ أَعلَى بَيْضَة الْحَدِيد.
(7) راضية الْمَعيشَة: العيشة اللينة المطمئنة.
تئيم: تبقى دون زوج - يُرِيد أَنهم قد تجافوا عَن الدعة والراحة.
(8) أ: كَانَ.
(*)
الصفحة 459