كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
فالمقتصد إذا صلى، أو تلا قرآناً، أو عمل شيئاً من مثل هذه الأعمال، عدها آخرة، وإذا أكل أو شرب أو نام، عدها دنيا؛ لأنه لا يقدر أن يخلصها حتى يصفو من الشهوة النفسية، والمقرب قد صارت لشهوته منيةٌ.
والفرق بين الشهوة والمنية: أن النفس لما كانت حييت بشهوتها، فعرض لها ما تلتذ به، اهتشت النفس بالعجلة إليه حرصاً وشرهاً، فتلك شهوة.
والمنية لما ماتت شهوة النفس، وحيي القلب بالله، فإذا عرض لها ما تلتذ به، لحظت إلى الله، وراقبت تدبيره، فإن أعطيت، أخذت، وإن منعت، قنعت، فتلك منية، والأول شهوة.
والمقتصد افترق أمره دنيا وآخرة، فما كان من أمر الآخرة، أمكنه تصفيته على حسب طاقته، وما كان من أمر دنياه، فالشهوة غالبة عليه، قاهرة له، فمن النصح له أن يبدأ بأمر الآخرة، والمقرب منيته فيما دبر الله له، يراقب ما يبدو له من غيب الملكوت، فيتلقاه بالرضا، والذلة،