كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

والانقياد، والقبول له عبودة ومسكنة، فصارت كلها آخرة، والحقوق كلها حقوقه، فالمقرب الغالب على أموره ذكر الله، والمقتصد الغالب على أموره ذكر النفس.
وذكر علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- عن الشيخين من قبله -رضوان الله عليهما-، فقال: إن أبا بكر أواه القلب منيب، وإن عمر ناصح لله، فنصحه.
فالأواه: لا يميز بين الأمرين؛ لأنها كلها لله، وليس فيها ذكر النفس، والناصح لله: عبد تفرد لله بقيام حقوقه، فلم يدع للنفس روعاً، فكلما اجتمع أمران، للنفس في أحدهما نصيب، آثر الذي لا نصيب لها فيه، وبدأ بالذي لا نصيب لها فيه، فكان في الظاهر فعل عمر فعل المقتصدين، وفي الباطن من المقربين، وإنما صار هكذا؛ لأن المقربين صنفان:
صنف منهم قد انفردوا في فردانيته، فخلت قلوبهم من ذكر نفوسهم، فهي صفة أبي بكر رضي الله عنه.
وصنفٌ منهم لم يصلوا إلى هذه الحظة، قد انكشف على قلوبهم من جلال الله وعظمته ما ملئت قلوبهم من هيبته، فهم القائمون على نفوسهم، فلا يدعونها تلحظ إلا إلى حق، فالحق يستعملهم، والهيبة تملك قلوبهم، والمتفرد به في فردانيته الله يستعمله، ووحدانيته تملك قلوبهم، فإذا اجتمعا في فعل، تباينا.

الصفحة 127