كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

قال أبو عبد الله: فأما المعاقب، فقد ذكره الله في تنزيله، فقال: {وما أصابكم من مصيبةٍ فيما كسبت أيديكم}.
فقوله: {فبما} هو اقتصاص؛ كقوله: هذا بذاك، ثم قال: {ويعفوا عن كثيرٍ}؛ أي: إن الذي لم تصبك به مصيبة فهو عفو، فلم يقل: ويعفو عما بقي، أو يعفو عن الذي لم يصبك به في الدنيا، إنما قال: {ويعفوا عن كثيرٍ}، وقد يجوز أن يبقى بعد عفوه الكثير أيضاً هناك شيء، إلا أن الكثير من الله لا يحصى عدداً.
فرسم الرسول صلى الله عليه وسلم هاهنا في حديثه رسماً ينبئ عن الذي يعفى عنه من الذي لا يعفى عنه، فقال: ((ومن أذنب ذنباً، فستر الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود فيه))، فذكر الستر، فاعلم أن الذي قال: {ويعفوا عن كثيرٍ} هم الذين قد سترهم الله، وستر عليهم، فالثناء على الألسنة قائمة بالخير وباطنهم مدخول، فإذا دام هذا الستر عليهم، فالله أكرم من أن يهتك عبداً قد ستره أيام الدنيا، ولم يعاجله، وأما الذي هتك ستره، ولم يؤاخذه بعقوبة، فذاك غير مأمون عقوبته.

الصفحة 136