كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

فأما قوله: ((يرغبكم في الآخرة عمله))، فليس عمله ببديع، إنما هو ما يعمله العمال، ولكن على عمله نور، وعلى أركانه خشوع، وعلى تصرفه فيها صدق العبودية، مع البهاء والوقار، والطلاوة، والحلاوة، والمهابة؛ لأنه على المعاينة يعمل، ولأنه إنما يعامل الله بتلك الأعمال عبودة لا متاجرة، فإذا رآه الراؤون، تقاصرت إليهم أعمالهم، وهم في تلك الأعمال بأعيانهم، وليس لأعمالهم ذلك النور وتلك المهابة والحلاوة؛ لأنهم على الرغبة والرهبة يعاملون، وعلى الخوف والطمع.
وروي لنا عن بعض السلف، قال: لقي نبي من الأنبياء عابداً من العباد، فقال: إنكم -معاشر العباد- تعملون على أمر لسنا -معاشر الأنبياء- نعمل عليه، أنتم تعملون على الرغبة والرهبة، ونحن نعمل على الشوق والمحبة.
فهذه معاملة أهل اليقين، الأنبياء بنبوتهم، والأولياء بولايتهم، يعاملون على المعاينة، وعلى الشوق والمحبة عبودةً له، قد شربت قلوبهم محبته، ومن لم يفتح له باب اليقين على قلبه، فإنما يعمل على الرغبة والرهبة؛ لأنه قد رغب في الجنة فارتغب، ورهب من النار فارتهب، فالوعد والوعيد نصب عينيه، إن عرض له عمل من أعمال البر فتثاقلت نفسه، وأبطأت في ذلك، مناها ما وعد الله، فيستعين بذلك على نفسه،

الصفحة 162