كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
المسكين تقي ميتة السوء)).
قال أبو عبد الله: ففي مناولة المسكين خصلة تعلو الخصال، وذلك أن الله -تبارك اسمه- قد شرف المؤمن، وعظم شأنه، وشرف هذه الأمة من بين الأمم، وعظم شأنها، فكانت الأمم من بني إسرائيل صدقاتها قربانها، توضع، فتجيء نارٌ، فتقبله، وتترك ما لم يقبل منه، فيصير منهتك الستر، فأكرم الله هذه الأمة بفضل يقينها، أن جعل صدقاتها تؤخذ من أغنيائها، فترد على فقرائها، فيبقى النفع فيهم، وكانت نفوس الأولين لا تسخو إلا على عيان الأشياء وجهرها، حتى بلغ بهم ذلك إلى أن قالوا لموسى: {أرنا الله جهرةً}، كانت قلوبهم لا تستقر حتى ترى العيون.
وأيدت هذه الأمة بفضل اليقين، فعلموا أن الشيء إذا أعطوه لله، أن الله لا يضيعه، وعلموا من جوده وكرمه ما خفي على الأمم قبلنا، فلما أعطت هذه الأمة صدقاتها هكذا، تفضل عليهم الرب أن ولي أخذ صدقاتهم منهم، فلم يكلها إلى ملائكته، ولا إلى أحدٍ من خلقه.