كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

ولم يذكر أبا ذر.
قال أبو عبد الله: فأصل الزهد هو الاستقلال.
يقال في اللغة: هذا شيء زهيد؛ أي: قليل، وإن استقل الشيء، دق في عينه، وحقره، وتهاون به.
وقال في قصة يوسف -صلوات الله عليه-: {وكانوا فيه من الزاهدين}؛ أي: من المتهاونين به، والمستحقرين له.
فالزاهد دقت في عينه الدنيا بما فتح له من الغيب، فرأى الآخرة ببصر قلبه، فاستقل هذه، وتهاون بها، وخلق مضطراً محتاجاً إلى القوت، وقد ضمن له رزقه، فوثق بضمانه، وصار هذا الذي في يده كالأمانة، كأنه أودع وديعة، ووكل بحفظها على نوائب الحق لينفقها هناك، فضمان الرب لعبده الرزق كان أوكد عنده، وأعظم شأناً من أن يلتفت إلى ما في يده، فيركن إليه أن هذا رزقي، فإنما قدر على هذا بما فتح له في الآخرة بصره، حتى قدت الدنيا في جنبه، وشخص بصره على ضمان الرزاق في رزقه عند الحاجة إليه.
فأما من لم يفتح له بصره في الآخرة، وعظم قدر الدنيا عنده، فمتى ما وجد منها شيئاً، اجتذبت مخاليبه فيها، وتشبثت، وعلق قلبه بها، ولم يستبر على قلبه ضمان الرزق، وكلما ذكر الفقر، وأوجس في نفسه خيفة، ركن إلى ما في يده، فهذا، وإن جانب الدنيا، وأكل النخالة

الصفحة 181