كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

والحشيش، فليس بزاهد، إنما هو متزهد، يتكلف الزهد بجوارحه.
وكذلك في المصائب يكون ثواب المصيبة آثر عنده من أن لو بقي عنده ذلك الشيء؛ لأن الشيء من الدنيا، وقد دق في عينه، والثواب من الآخرة، وقد عظم في عينه.
وأما قوله: ((ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه))، فهذا علم اليقين.
فالموحدون كلهم يعلمون هذا، وذلك علم اللسان، وحجة الله على ابن آدم، يخرجه على ألسنتهم إيمانهم، فبلسان التوحيد ينطقون، فلا تستقر قلوبهم مع هذه الكلمة، حتى يفر من الذي يتخوف أن يصيبه فراراً يعصي الله فيه.
وأما أهل اليقين: فاستقر هذا العلم في قلوبهم، فانشرحت به صدورهم، فكانوا في النوائب كرأي العين؛ أي: إن هذا الذي ناب قد كان في سابق العلم، ثم يصور عندهم كونه في اللوح مسطوراً، فاستقرت نفوسهم لعلم يقينهم بذلك.
فهذا عبد قد استنار في صدره وقلبه إيمانه، فهو حقيقة الإيمان، والإيمان في القلب والصدر بينة، ولا يعلم ما في القلب إلا الله، فإذا خرج نوره إلى الصدر، انشرح، فذلك هو حقيقة الإيمان، فظهر على الجوارح.
وأما حقيقة الإخلاص: فهو أن ينفي عن قلبه وصدره حب المحمدة، فقد يكون مخلصاً لله في أموره، يعملها من أعمال البر، وهو يجاهد نفسه في ذلك حتى يصفيها ويخلصها، وليس ذلك حقيقة الإخلاص.

الصفحة 182