كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
به، فهذا القرض الحسن ليس بمنهك ولا مقصر.
فكذلك هذا الشيء الذي لصقت شهوته ومحبته بالقلب، فإذا صرفه إلى نوع من أنواع البر، فقد فرض محبته من قلبه، فإنه قد فارقه ملكاً، وأخرجه إلى ملك غيره، فإذا أعطى، وعلى قلبه كراهة الإعطاء، وعسره، فقد قطعه، وبقي هناك شيء فلم يستأصله، وإذا أعطى، وانتظر الخلف، والثواب، فقد شخصت عيناه إلى محبة شيءٍ، هو أعظم من الذي أعطى، وإلى ما يدق هذا في جنب ما طمع فيه، فقد أنهك القطع.
فإذا أعطى لربه، فإنما يعطيه عطاء لا يتبع نفسه العطية، ولا الخلف منها، ولا الثواب عليها، فإن الله عز وجل ابتلى العباد بما أعطاهم من الدنيا، ثم سألهم منها بعد إذ ولجت لذة منافعه قلوبهم، محنةً لسرائرهم، فمن أسكرته لذة هذه المنافع؛ فإنما أسكرت عقولهم عن الله، فصارت فتنةً عليهم.
فإن أعطى كرهاً، لم تصف عطيته، وإن أعطى على طمع ثوابٍ، أو خلفٍ منها، لم تصف عطيته، وإنما تصفو: إذا أعطاه عطاء من كان الشيء عنده بأمانه، فلو أن رجلاً أودع آخر وديعة كان حفظها مؤنة عليه، ولو استردها، اغتم ذلك منه، وتسارع إلى ردها، ولا يقوى على هذه الخطة إلا أهل الصفوة، وهم أهل اليقين، والمقربون السابقون؛ لأن الأشياء عندهم عواري وودائع، قبلوها عن الله بقلوبهم، وأمسكوها لله على نوائب حقوقه، قد سقط عن قلوبهم قدر الدنيا وما فيها، وولجت قلوبهم