كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
عظمة الله، فدقت الدنيا في أعينهم، فإذا أعطوا منها شيئاً، فإنما هي عندهم أمانة، خرجوا منها إلى الله في وقت يأتيه الحق، فهم أمناؤه وخزانه في أرضه أمناً، فلم يخونوا في شأن أرواحهم، ينتظرون دعوته متى يجيئهم رسوله الموكل بالأرواح، فيسبحوا بأرواحهم طائرين إليه، وأقوى اللذات في الدنيا الحياة، وابن آدم أشد فرحاً بها من سائر الأشياء، فلن تذهب بهذه اللذة منهم إلا وجود لذة لقاء الله، ولن يذهب بهذا الفرح منه إلا الفرح بلقاء الله، فمن أجل ذلك سمحوا وجادوا بأرواحهم، ولن يتلكؤوا، ولا ترددوا في ذلك، وخزانه في أرضه قد ماتت شهوات نفوسهم عن جميع حطامها، وإمساكها حرصاً، وعدةً، والدنيا عندهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما مثل الدنيا: كمثل راكبٍ يستظل شجرةً، ثم راح منها)).
وكما فعل أبو بكر رضي الله عنه حيث حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فأتى بماله كله، فقال: ((ما تركت لأهلك يا أبا بكرٍ؟))، قال: الله ورسوله.
فالمستغني بالله لا بالمال هكذا قوله، وإنما يؤدي بلسانه عما في ضميره، فمن أعطى العطية، وغناؤه بالله، لم تشخص عيناه إلى الخلق والثواب، ولم يكن عليه في وقت الإعطاء عسرٌ، ولا كراهة، فهذه عطية الأولياء ونفقاتهم، فحث الله العباد على أن يقرضوا قرضاً حسناً، كقرض