كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
قال أبو عبد الله:
فالغريب نازع قلبه إلى الوطن، ماد عينه إلى أهله، شاخص أمله إلى وقت الارتحال متى ينادى بالرحيل، فيرتحل، فكلما قطع مرحلة، خف ظهره، وهاج شوقه، ينتظر نفاد المراحل، ونهاية المسافة، فإذا بلغ آخر مرحلة، قلق، وضاق ذرعاً، فإذا وقع بصره على وطنه، رق، ودمعت عيناه، فبكى من طول الغربة، ومقاساة الوحشة والفجعة، ثم بكى فرحاً بوصوله إلى وطنه، ونظره إلى الأحباب والألاف، فعلى هذه الصفة دله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون نازع القلب إلى دار السلام، ماداً عينه إلى عرش الملك الأعلى، شاخص أمله إلى دعوة السيد المنان، ينتظر متى يدعى فيطير، فكلما قطع يوماً من عمره، خف ظهره من أثقال العمر، وهاج شوقه ينتظر نفاد الأيام والليالي التي أجلت له، فإذا بلغ آخر يومه، قلق، وضاق ذرعاً؛ لخوف الخطر الذي ركبه، وأنه لا يدري بم يختم له، فإذا كشف الغطاء عنه، وبشر بالسلام والرحمة من العزيز الرحيم، وأري مكانه من وطنه، رق، وبكى من طول الغربة، ومقاساة جهد النفس، ثم بكى فرحاً بلقائه مولاه، ووصوله إليه، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريبٌ، أو