كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

عابر سبيلٍ))، وهو المسافر وكلاهما قريب المعنى.
فالغريب لا يتهنأ بعيش، والغريب وحداني منفرد، منكسر القلب، وإن كان في سعة من العيش ونعمة، والغريب قد فقد عشيرته وأودائه، وعابر سبيل لا يتوجع لما ينوبه في سفره، ولا يجزع لما يقاسي من الشدة؛ لأنه يعلم أن سفره منقطع، وأنه عابره، وإن لم يصب منيته وشهوته، قنع بما يجد، ويعظ نفسه ويعزيها، ويقول: هذه مراحل قحط وشدة، وسنقطعها.
وأما قوله: ((وعد نفسك من أهل القبور)): فهذا قطع الأمل أن يقول ساعة بعد ساعة: الآن يحضرني أمر الله عز وجل، فيعد نفسه منهم، لا من الأحياء.
ووجه آخر: أن أهل القبور قد انقطعت أطماعهم من الأحياء، وقطعوا الدنيا، ورفعوا بالهم عنها، فإذا كان بهذه الصفة، فقد عد نفسه من أهل القبور، وقد أمنه الخلق كما أمنه أهل القبور، وقد أخمد ذكره، وأمات شهوته، كما خمد أهل القبور، وأماتوا شهواتهم من الدنيا، وراضوا نفوسهم.
والوجه الأول أشبه بما جاء عن السلف من فعلهم، فكانوا يبادرون في العلم وتصحيح الأمور؛ مخافة أن يحال بينهم وبين ذلك، فإن الأمر

الصفحة 244