كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
فأبصر، فانقمع الحرص، وسكن فورانه، ولم يبق للعدو خدعة، ففي ذلك الوقت ذهبت العصمة من آدم -صلوات الله عليه-، ولم يقو النور، وهاجت من النفس شهوة الخلود فيها، فأتت بظلمة ودخان، فشبه عليه العدو عندما وجد فرصة، فخدعه بالنزهات والهنزات، حتى صرعه عن المقام، ثم ولى هارباً، فأخرج من الجنة، وأهبط إلى الأرض.
فكأنه قيل له: فكأنه قيل: إنما خلقناك للعبودة، فأسكنتك جواري؛ لتقضي العبودة، وهي حقي عليك وعلى ولدك، فإنك كنت تراباً، فخلقتك بشراً سوياً، فنفخت فيك الروح، وأعطيتك الحياة واللذة والشهوة وقرة العين.
أما الروح: فمن أمري، وأما الحياة: فمن حياتي، وأما اللذة والشهوة: فمن قربي، ولما خلقتك بيدي، فلك من القربة ما ليس لأحد.
وأما قرة العين: فمن معرفتك إياي، وإشراق نوري في قلبك، حتى قدرت على أن تعرفني بالغيب، وأنت على ظهر الأرض لا ترى عرشي، ولا حجبي، ولا سلطاني، فعظم حقي عليك، فيسرت عليك العبودة في دار السرور والنعمة، فأبيت إلا أن ترجع لعنصرك الذي منه خلقتك، فارجع إليها، فاقض هذه العبودة في دار الفقر والبؤس والتعب والعناء والنصب حتى تنقضي المدة.
ثم تاب الله عليه، ووعده أن يرده إلى الجنة رداً يكون ثواباً للعبودة، فيؤبده فيها دائماً، يخلد ويؤبد.