كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)
الأول، وأخذ عليه العهد والميثاق، فقد ترك له جميع هذه المدة التي بين المقامين، فلا يسأله إلا عن الوقت الذي بلغ الحلم، وأدرك مدرك الرجال إلى وقت فراقه الدنيا، وما سوى ذلك مرفوع عنه قبل وبعد.
فدعي من دار الآفات إلى دار السلام، ومن السجن إلى البستان، ومن دار الفناء إلى دار البقاء، وخلق الليل والنهار، ليركضان بالخلق إليه دؤباً دؤباً، فالأمين من استقرت نفسه، فأبصر قلبه هذه الأشياء ببصيرة نفسه على هيئتها التي خلقت، فإن النفس لا تبصر ما دامت في العدو والطياشة، والالتفات إلى أحواله يمنة ويسرة، فإذا سكنت واستقرت، واطمأنت إلى خالقها، فقد صارت أمينة لا تخون، وفي النفس شهوة، وللنفس أخلاق رديئة دنيئة مفرطة لأمر الله، عجولة في مهواها، تشبثت بمخاليبها في دنياها؛ لما وجدت من اللذة وقضاء النهمة فيها، فعميت عن أنها دار ممر، وألهتها عن أن تذكر دار المقر، وشغفت بالحياة، فنسيت أن تذكر أن الروح عارية، وطلبت المعاش، حرصاً لتجمع الكثير، عدة لنهماتها، ونوائبها، وتناولت الرزق على قضاء الشهوة، ولهت عن السعي، ورفعت بالها عنها، ونسيت أنه يركض بها، وأنها تحتاج إلى سعي منها مع الركض