كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

فمحمد صلى الله عليه وسلم يؤتى من الأمن يوم القيامة ما يتفرغ لأمته، فهل هذا إلا من الخوف الذي قد كان علاه أيام الدنيا، فلم يجمع عليه خوفين.
وإنما جازوا الصراط؛ لتفاوت مدة جوازهم، حتى كان جواز أحدهم في مثل الريح، وآخر في مثل الركض، وآخر في مثل مشي على القدم، فيحتاج إلى مدة حتى ينجو منه، فعلى قدر المدة يذوق الأهوال والأفزاع عليها، فكل من كان له هاهنا حظ من اليقين، طالع بقلبه بقوة ذلك اليقين، فعاين منه ما ذاق [من] الخوف، فسقط عنه من الخوف على ما ذاق هاهنا، فكذلك تفاوت جوازهم.
وأما قوله: ((حتى رأيت ظلي وظلكم فيها)): فالنار سوداء مظلمة، والمؤمنون أهل نور وضياء، فإذا أشرفوا على النار غداً، وقع ضوءهم على النار على مقادير أجسادهم، فذلك ظلهم في النار، كما أن الشمس إذا أشرقت على الأرض فأضاءت؛ وقع لأجسادهم التي لا ضوء لها على ذلك الضوء ظلمة، فلذلك ظله هاهنا، فإذا كان في الآخرة، وأعطوا النور، فمروا بنورهم، وأجسادهم مضيئة؛ وقع ضوءهم على ظلمة النار، فسمي ذلك الضوء على الظلمة ظلاً.
وقوله: ((أومأت إليكم أن استأخروا)): فإنما أومأ إليهم؛ شفقة عليهم أن يحترقوا، ولم يتقدم هو بنفسه أمام القبلة فيتباعد منها، فذلك من أجل أنه رأى نفسه قد جازها، فلم يخف على نفسه، فلم يبرح، ورآهم لما يجوزوا، وهم مشرفون عليها، فخاف عليهم، فأمرهم بالاستئخار، فقيل له: ((أقرهم؛ فإنك أسلمت وأسلموا، وهاجرت وهاجروا، وجاهدت وجاهدوا)).

الصفحة 399