كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 3)

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضع مهاجره، ومبوأ الإسلام، والنظر على شوق أكبر من هذا؛ لأن المؤمن لما انتبه بقلبه فعرف ربه؛ اشتعل نور اليقين في قلبه، فانكشف له الغطاء عن جلاله، وعظمته، وجماله، وبهائه، ومجده اشتاق إليه، فلم يزل يدوم له الشوق حتى قلق، وبرم بالحياة، وضاق به ذرعاً، فإذا نظر إلى الكعبة، استروح إليها؛ لأنها بيته، وإذا نظر إلى القرآن، استروح؛ لأنه كلامه، وإذا نظر إلى السلطان، استروح؛ لأنه ظله.
وإذا نظر إلى أخيه المؤمن، استروح؛ (لأنه وليه وخليفته وحبيبه، وفيه سيماء نوره) قد أشرق في وجهه، فتلك النظرة على شوق منه إلى خالقه خير من اعتكاف سنة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقباله على ربه، رافضاً لشهواته، ومانعاً لنفسه، حبيساً على ربه؛ لأن هذا بإقباله على ربه، وحبسه نفسه عليه تحرس نفسه بذلك من الآفات، وينتظر منه الرحمة.
وهذا الآخر قد حاز هذه اللحظة، فهو عطشان بطشان من ظمأ الشوق، قد أسكرته محبته عن جميع الدنيا، وأذهلته آماله فيه عن جميع مناه في الدنيا، وأقلقته بقية أنفاسه، يتمنى أن يكون مئة ألف نفس قاضية في نفس واحد، حتى يطير بروحه إلى الله، فهو في محبسه يتردد، ويطلب آثار من قد اجتباه بمشيئته، وجعله أهلاً لجنابه من بين خلقه، وسبى قلبه بنوره، وقد انقطع طمعه من أن يراه، وهو ينادي في خلال ذلك: ارحم من تراه ولا يراك؛ لأنه قد سبق إلى ذلك كليم الله رأس المشتاقين لما من عليه

الصفحة 421