كتاب رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 3)
{وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه: 130] , وقالت العرب: شابَتْ مَفارِقُه، وليس له إلا مفرقٌ واحد، فكأنهم سموا كلَّ موضعٍ من المفرق مفرقًا، وقالوا أيضًا: جملٌ ذو عَثانين، وليس له إلا عُثنون واحد، والعُثْنونُ: شعيراتٌ طِوالٌ تحت حَنَك البعير، ونحو ذلك كثير، هذا إذا جعلنا (مَنْ) واقعةً (¬1) على مفرد، فإن (¬2) جعلناها واقعةً على جمع، فلا إشكالَ، ومثلُه شقُّ الجيوب، وهو قطعُها وإفسادُها بالقطع في غير محله، فحرم على ذلك (¬3)؛ لما فيه من إظهار السخط، وعدم إظهار الرضا بالقضاء، مع ما في شق الجيوب من إضاعة المال.
الرابع: المراد بدعوى الجاهلية: الندبُ، والنياحةُ، وهو ذكرُ صفات الميت؛ فإنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك المحاسن عندهم قبائحُ في الشرع، فيقولون مثلًا: واكهفاه! واسيداه! واسنداه! واجبلاه! وامُرْمِلَ النسوان! وموتمَ الوِلدان! ومخرب العمران! هذا ونحوه مما يرونه شجاعةً؛ فإنْ رُفِع الصوت بذلك، وعُدِّد، فهو نياحة، وإلا، فهو ندبٌ (¬4).
وجاء في الحديث الآخر صريحًا: "النِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ" (¬5)،
¬__________
(¬1) في "ت": "أوقعه".
(¬2) في "ق": "وإن".
(¬3) "على": ليست "ق".
(¬4) انظر: "شرح مسلم" للنووي (6/ 229).
(¬5) رواه مسلم (934)، كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة، من حديث أبي مالك الأشعري -رضي اللَّه عنه-.