كتاب مصابيح الجامع (اسم الجزء: 3)

وابنُ بطال بناه على أنَّه أخطأ في تقديم حقّ الصلاة؛ لإباحة الكلام إذ ذاك (¬1)، ونظرُ جريجٍ المشهودِ له بالكرامةِ والتشديد أولى أن يُصَوَّب.
فإن قلت: إن كان مصيبًا في نظره، ووُوخِذ (¬2) بإجابة الدعوة فيه، لزم التكليفُ بما لا يطاق.
قلت: هذا لازم، ولو قلنا: إنه كان مخطئاً؛ لأنه مجتهد، والمجتهدُ لا يؤاخذ، أصابَ أو أخطأ، والحق أن المؤاخذة هنا ليست عقوبة، وإنما هي (¬3) تنبيه على عِظَمِ حقّ الأم، وإن كان مرجوحاً، وكان من كرامته على الله أَنْ ألهم أَمَّه الاقتصاد (¬4) في الدعوة، فلم تقل: اللهمَّ امتحنْه، وإنما قالت: "لا تُمته حتى تريه وجوههن (¬5) " (¬6)، فلم تقتض (¬7) الدعوةُ إلا كدرًا يسيراً (¬8) أعقبَ صَفْواً (¬9) كثيرًا.
وترجمة البخاري إنما خرجت على تصويب رأي جريج في تقديم حقِّ الصلاة، ولهذا جعله أصلًا في هذه الشريعة: أن الولدَ إذا دعَتْه أمه في الصلاة يجيبها (¬10)، ولا يُتصور من البخاري أن يخطئ رأيهُ فيجعله أصلًا
¬__________
(¬1) انظر: "شرح ابن بطال" (3/ 195).
(¬2) في "ن": "وخذنا"، وفي "ع": "وأوخذ"، في "ج": "وأخذ".
(¬3) في "ج": هو.
(¬4) في "ع" و"ج": "الاقتصار".
(¬5) في "م": "تراه وجوهن".
(¬6) رواه البخاري (2482)، ومسلم (2550).
(¬7) في "م": "تقتضي".
(¬8) في "ن": "يسير".
(¬9) في "م": "صوًا".
(¬10) في "م": "لا يجيبها".

الصفحة 175