وقائل يقول: أطلق السلفُ الورعَ في المباح، فنفيه عنه (¬1) خلافُ الإجماع، لكنه لم يتخلص في سؤال التناقض.
والحقُّ: أن المباح يطلق على الفعل الذي سلمت العاقبةُ من أدائه إلى محظور، حتى يُفرض فيه أن الصادق قال لصاحبه: خيرتك فيه، فإنه لا يؤدي في حقك إلى محظور ولا مكروه، فهذا لا يختلفون أنه لا ورع فيه.
ويطلق أيضاً جِنْساً للأمر الذي إن سلمت العاقبة (¬2) فيه، فهو مباح، وإن أفضت فيه إلى خلاف المباح، فليس بمباح، فهذا الجنس مباحٌ باعتبار ذاته، غيرُ مباح على تقدير أدائه إلى خلافه، وفيه دخلَ الورع، وإليه الإشارة بقوله -عليه السلام-: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ زِينَةُ الدُّنْيَا" (¬3)؛ فإن زينة الدنيا هي جنس المباح، ومع ذلك خافها؛ لأدائها غالباً إلى خلاف المباح؛ من اعتيادِ حُب الإكثار، وحملِ العادة على الكسب من الحل والحرام.
ووقعت للسائل شبهةُ منكري (¬4) الورع؛ لأنه تعجَّب من كون الدنيا مباحةً وخيراً، ثم خافَ منها الشرَّ الذي هو المحظور، فتعجب من وصفها بالوصفين: الخيرِ والشرِّ، وذهل عن الحال والمال، حتى بينه -عليه السلام- بالمثال، وذلك أن الخصب خير، و (¬5) مفروح به بالقول المطلق،
¬__________
(¬1) في "م" و"ج": "عن".
(¬2) في "م": "المعاقبة".
(¬3) رواه مسلم (1052) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(¬4) "منكري" ليست في "ن".
(¬5) "و" ليست في "ع".