كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
وقال آخر:
يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا
وليست هذه المفاسد متخيلة مفروضة، بل قد ابتلي بها المجتمع البشري في
العالم كله، وكل ذلك من عواقب هذا السفور.
فإذا كانت هناك مفاسد أخرى بجنب المفسدة التي نزلت لدرئها الآية الكريمة فهل من حكمة الحكيم الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يتطور إليه المجتمع بفضل السفور، هل من حكمته أن يدرأ مفسدة واحدة صغيرة، ويترك مفاسد أخرى كبيرة مفتحة الأبواب، يدرؤها مع أنها من قبيلها وأشد منها؟
فالصحيح أن مفسدة واحدة صغيرة - وهي التعرض للنساء في الطرقات - لما ظهرت واقتضت أمرًا من أوامر الله يسد به بابها أمر الله بأمر يكفي لسد باب هذه المفسدة، ولسد أبواب المفاسد الأخرى التي هي أكبر من أختها، فأمر بستر الرأس والوجه حتى ينقطع السبيل.
ولعل قائلاً يقول: إن الأمر إذا كان كذلك؛ فلم لم ينبه الله تعالى على
تلك الأغراض النبيلة التي تكمن وراء هذا الأمر؟ ولم اقتصر على الإشارة إلى تلك الأَغراض في آية الحجاب بقوله: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فلم يحتج إلى الإِعادة، ويالها من كلمة جامعة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من أغراض هذا الباب إلا أحصتها في طيها، ثم إن قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) يشير إلى هذه الأغراض أيضًا، قال الرازي: "قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: المراد أنهن
لا يزنين، لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أن تكشف عورتها" (1) اهـ.
__________
(1) انظر: "التفسير الكبير" (6/ 799) .