وإذا كانت في القرآن عدة آيات تصلح لتفسير آية منه فليس لنا أن نفسرها ببعضها، ونهمل بعضا آخر فلا نراعيها، على أن التأسيس معلوم الأولوية كل التأكيد (1) .
فإذا قلنا: إن آية النور بيان لجزء (2) من آداب النساء في المجتمع
__________
(1) وذلك لأن اللفظ إذا احتمل أكثر من معنى، رجح تقديم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح: كالتأسيس، فإنه يقدم على التوكيد، مثال ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الآية، فكلمة (وَصَدُّوا) هنا يحتمل أن يكون لازمة مثل قوله تعالى: (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) وعليه يكون معنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله تعالى: (كَفَرُوا) ، ويحتمل
أن تكون متعدية، وحينئذ يدل قوله تعالى: (كَفَرُوا) على كفرهم في أنفسهم،
وقوله: (وَصَدُّوا) على أنهم حملوا غيرهم على الكفر، وصدوه عن الحق، فهنا يترجح القول الأخير لأن فيه تأسيسَا لمعنى جديد، خلاف القول الأول الذي يقتضي التكرار والتوكيد.
ونظير ذلك قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)) إن حملنا الحياة
الطيبة في هذه الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيسًا، وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ) الآية، لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه، قال أبو حيان في "البحر المحيط": (والظاهر من قوله تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) إن ذلك في الدنيا، وهو قول الجمهور،
ويدل عليه قوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ) يعني في الآخرة) اهـ.
ومثال ذلك أيضًا قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ، وقوله عز وجل: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ، قيل: تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه للتأسيس أرجح
لما ذكرنا، فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم قبل ذلك التكذيب، فلا يتكرر منها لفظ، وكذا يقال في سورة المرسلات، فيحمل على المكذبين بما ذكر قبل كل لفظ، والله تعالى أعلم.
(2) إنما يسوغ هذا الجمع بناء على التسليم الجدلى بصحة ما ذهبوا إليه من آية النور تفيد جواز السفور، ومع ذلك فإنها - طبقَا لما فهمته الصحابيات رضي الله عنهن -
لا تفيد ذلك كما سيأتي إن شاء الله.