فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها، وهذا كما ترى أمر مطلق، فيحتمل أن يكود الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى (1) - وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، فعليه يشمل الوجه
وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين، وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في تفسيره، والسيوطي في "الدر المنثور"، ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور
الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإِدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين.
الأخر: أن السنة تبين القرآن، فتخصص عمومه، وتقيد مطلقه، وقد دلت النصوص الكثيرة منها على أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها، وتقييدها بها.
فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في "البداية" (1/ 89) ، ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد، كما في "المجموع" (3/ 169) ، وحكاه الطحاوي في "شرح المعاني " (2/ 9) عن صاحي أبي حنيفة أيضا، وجزم في "المهمات"
من كتب الشافعية أنه الصواب، كما ذكره الشيخ الشربيني في "الإقناع " (2/110) .
لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) وإلا وجب ستر ذلك، لاسيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن
__________
(1) يعني لذلك قوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الآية