كتاب عودة الحجاب (اسم الجزء: 3)

نزلت بحقهن، قلت: إنها وإن كانت خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم من جهة السبب، فهي عامة من جهة الأحكام، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأكثر آيات القرآن ذوات أسباب في نزولها بلا خلاف
بين العلماء، فإذا حصرنا أحكامها ضمن دائرة أسبابها فما هو حظنا منها إذن؟ وبذلك نكون قد عطلنا آيات الله، وأبطلنا أحكامها جملة وتفصيلًا، وهل أنزل القرآن ليطبق في عصر دون عصر وفي زمن دون أزمان؟
فادعاء أنها خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما ذكرته لا ينهض حجة
لأن الاستثناء في آية (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ) عام، وهو فرع من الأصل وهو الحجاب، فدعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع، وهو غير مسلم لما علم تعميمه، فهل يقال لامرأة أباح الله لها أن تظهر على أبيها وابنها وأخيها: إن الله لم يوجب عليك التحجب عن غيرهم؟! فقصر الله عز وجل ظهور المرأة على محارمها فقط بقوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ... ) الآية، أما غيرهم من الأجانب فإنه يجب عليها الاحتجاب عنهم بداهة بمقتضى مفهوم الآية" (1) اهـ.
* يقول الشيخ سعيد الجابي رحمه الله في كتابه "كشف النقاب":
"فقوله عز وجل: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) يدفع هذا- أي دعوى التخصيص - لأنه قد أشير إليه بغير ما يدعيه أهل التخصيص من أن الحجاب لأجل تميزهن عن غيرهن، ورفعهن على من سواهن، بل بيَّن سبحانه أن الباعث للحجاب هو تطهير قلوب الفريقين، وإذا كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم المطهراتُ من السفاح، المحرماتُ علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين قد أمرن بالحجاب طهارة لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحُهن، فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلع
__________
(1) "فقه النظر في الإسلام" (ص: 40- 43) .

الصفحة 260