كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 3)

2804 - (خ، م) - حدثنا عمر بن الحسن بن محمد بن سليم، قال: أنا علي بن أحمد، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن حمزة، قال: حدثني الشعيري، قال: ثنا بشر بن خالد، قال: ثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى:
عن مسروق قال: دخلت على عائشة، وعندها حسان بن ثابت أنشدها شعرا يشبب بأبيات له، فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قال: فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك، وقد قال الله عز وجل: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}؟ فقالت عائشة: وأي عذاب أشد من العمى؟! وقالت: إنه كان ينافح -أو: يهاجي- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حديث الإفك
2805 - (خ، م) - حدثنا أحمد بن خلف، قال: أنا حمزة بن عبد العزيز، قال: أنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، قال:
#499#
أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود، عن حديث عائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى، كلهم حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا؛ ذكروا أن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها يخرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل مسيرنا حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه، وقفل، ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقدي ظفار قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون هودجي، فحملوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبونني فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، #500# وظننت أن القوم سيفقدونني، فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت حتى أصبحت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي؛ والله! ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة؛ فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمت المدينة، فاشتكيت حين قدمنا شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسلم، فيقول: ((كيف تيكم؟)) فذاك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي بنت أبي رهم بن [عبد] المطلب بن عبد مناف، وأمها صخرة بنت عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب-، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا #501# من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، ثم قال: ((كيف تيكم؟)) قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمه! ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية! هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟! قالت: نعم، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي؛ يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله! هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: ((أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟)) قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق! إن رأيت عليها أمرا قط أغمصها عليه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله، قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستعذر من عبد الله بن #502# أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر: ((يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلى معي))، فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: أعذرك منه يا رسول الله؛ إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج -وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية-، فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله! لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ-، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله! لنقتلنه؛ فإنك منافق، تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، وسكت، قالت: وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: ((أما بعد يا عائشة! فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله عز وجل، وتوبي إليه؛ فإن العبد #503# إذا اعترف بذنب، ثم تاب تاب الله عز وجل عليه))، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قال: فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا-: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت بأمر -والله يعلم أني بريئة- لتصدقو [ن] ني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أب [و] يوسف: {فصبر جميل والله المتسعان على ما تصفون}، قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، والله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى به، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه، قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: ((أبشري يا عائشة، أما والله فقد برأك))، قالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل، #504# هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} عشر آيات، فأنزل الله تعالى هذه الآيات براءتي، قالت: فقال أبو بكر -وكان ينفق على مسطح؛ لقرابته وفقره-: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} إلى قوله: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم}، فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري، فقال: ((ماذا علمت؟ أو ماذا رأيت؟)) قالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصمها بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.
قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.

الصفحة 498