كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 3)

2882 - (خ، م) - حدثنا عبد الرحيم بن أحمد وأسعد بن مسعود العتبي وغيرها، قالوا: أنا أحمد بن الحسن، قال: أنا أحمد بن محمد بن عبد الله، قال: ثنا أبو يحيى، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور:
عن عبد الله بن عباس أنه قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}، حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلت معه بإداوة، فتبرز، ثم جاء، فسكبت على يديه منها، فتوضأ، ثم قلت له: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}؟ فقال: واعجبا لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث، فقال: إن كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن نهد، وهي من عوالي المدينة، فكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وكنا -معشر قريش- نغلب النساء، قال: فلما قدمنا على الأنصار إذا هم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب النساء الأنصار، فصحت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني #546# ذلك، وقلت: قد خاب من يفعل ذلك، ثم جمعت علي ثيابي، فنزلت، فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: أي حفصة! أتغاضب إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟! فقالت: نعم، فقلت: قد خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتهلكين؟! لا تستكثري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد: عائشة.
قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء، فضرب بابي ضربا شديدا، وقال: أثم عمر؟ فتفزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر عظيم، قال: فقلت: وما هو؟ أجاءت غسان؟ فقال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول؛ طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: فقلت: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون، قال: فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربة له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، قال: فقلت: ما يبكيك؟ أولم أكن قد حذرتك هذا؟! أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: لا أدري، ها هو ذا معتزل في هذه المشربة، فخرجت، فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل الغلام، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلي، فقال: كلمت #547# رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرتك له، فصمت. فرجعت، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت له: استأذن لعمر، فدخل، ثم رجع إلي، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فلما وليت منصرفا، قال: إذا الغلام يدعوني، قال: قد أذن لك رسول الله، قال: فدخلت على رسول الله، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدم، حشوها الليف، فسلمت عليه، ثم قلت -وأنا قائم-: يا رسول الله! أطلقت؟ قال: فرفع بصره، فقال: ((لا))، فقلت: الله أكبر، ثم قلت -وأنا قائم أستأنس-: يا رسول الله! لو رأيتني وكنا -معشر قريش- نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم، فتغيظت على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك عليها، فقالت: أتنكر أن أراجعك؟! فوالله إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم حتى الليل، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلت: يا رسول الله! لو رأيتني ودخلت على حفصة، فقلت لها: لا يغرنك إن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة-، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين تبسم، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله عز وجل، فليوسع على أمتك؛ فإن فارس والروم وسع عليهم، وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله عز وجل، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، #548# وكان متكئا، فقال: ((أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟! إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا))، فقلت: يا رسول الله! استغفر لي، قال: فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه؛ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ((ما أنا بداخل عليهن شهرا))؛ من شدة موجدته عليهن، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول الله! إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما هي تسع وعشرون ليلة، أعدهن عددا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهر تسع وعشرون))، وكان ذلك تسعا وعشرين ليلة.
وفي رواية: عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس قال: وكان من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام، إلا ملك غسان بالشام، وقال: ثم دخلت على أم سلمة؛ لقرابتي منها، فكلمتها، فقالت: عجبا لك! قد دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه؟! فأخذتني والله أخذا كسرتني.

الصفحة 545