كتاب تحرير الفتاوى (اسم الجزء: 3)

القطع بالتأخير وإن رضي المستحق؛ لأن الإمهال المشروع على طريق الإيجاب تحقيقًا حق للذي يقيم عليه العقوبة، فلا يبادر برضا المستحق، وقول "المنهاج": (الأصح) يقتضي قوة الخلاف، وهو ضعيف أو غلط.
5156 - قوله: (ولو أخر مستحق طرفٍ .. جلد، وعلى مستحق النفس الصبر حتَّى يُستوفى الطرف) (¬1) قال في "الوسيط": لا صائر إلى أن مستحق النفس يسلط على القتل، ويقال لصاحب الطرف؛ بادر إن شئت، وإلَّا .. ضاع حقك، ولو قيل به .. كان منقدحًا (¬2).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: والذي نقوله: أن لمستحق النفس أن يقول لمستحق الطرف: إما أن تستوفي أو تعفو أو تأذن لي في التقدم، ويجبره الحاكم على أحد هذه المذكورات، فإن أَبى ذلك كله .. مكّن الحاكم مستحق النفس من القتل؛ لأنه ظهر الضرر من مستحق الطرف، وليس له عذر يمنعه من ذلك، ومستحق القتل طالب حق أثبته الله سبحانه له بقوله: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}.
5157 - قوله: (فإن بادر فقتل.؛ فلمستحق الطرف ديته) (¬3) أي: في تركة المقتول لا على المبادر.
5158 - قوله: (ولو أخر مستحق الجلد .. فالقياس: صبر الآخرين) (¬4) تبع فيه الرافعي (¬5)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا بالقياس بالنسبة إلى القطع؛ لأنه يمكن أن يقطع، ثم لا يفوت الجلد؛ لأنه يمكن استيفاؤه بعد البرء من القطع، وصاحب الجلد مقصر بعد أن يرفع إلى الحاكم، ويقال له: إما أن تستوفي أو تعفو أو تأذن لصاحب القطع في التقدم.
5159 - قول "التنبيه" [ص 248]: (وإن اجتمع عليه حدان فأقيم أحدهما .. لم يقم الآخر حتَّى يبرأ من الأول) وفي بعض النسخ: (حتَّى يبرأ ظهره) وهو خارج مخرج الغالب؛ لأنه مكان الحدود غالبًا، ولا يتقيد الحكم، ومحل ذلك: فيما إذا كان الثاني غير قتل؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 594]: (وفُرّق غير القتل) وهو يقتضي أنَّه إذا اجتمع عليه حدود قذف لجماعة .. لا يوالى بين حدودهم، بل يمهل بين كل حدين حتَّى يبرأ، وقد قال في "أصل الروضة": هكذا ذكره البغوي وغيره، لكن سبق في القصاص أنَّه يوالى بين قطع الأطراف قصاصًا، وقياسه: أن يوالى بين الحدود (¬6).
¬__________
(¬1) انظر "المنهاج" (ص 512).
(¬2) الوسيط (6/ 503).
(¬3) انظر "المنهاج" (ص 512).
(¬4) انظر "المنهاج" (ص 512).
(¬5) انظر "المحرر" (ص 440).
(¬6) الروضة (10/ 164)، وانظر "التهذيب" (7/ 405).

الصفحة 248