كتاب تحرير الفتاوى (اسم الجزء: 3)

واعلم: أن الإمام حكى عن المحققين فيما لو علم أن التأديب لا يحصل إلَّا بالضرب المبرح .. أنَّه ليس له الضرب، لا المبرح؛ لأنه مهلك، ولا غيره؛ لعدم إفادته (¬1)، وعليه مشى "الحاوي" في النشوز، فقال: (ضرب إن نجع) (¬2) ومقتضى ذلك: استثناؤه من عبارة "التنبيه" و"المنهاج" هنا، لكن قال الرافعي: يشبه أن يضرب ضربا غير مبرح؛ إقامة لصورة الواجب، وإن لم يفد التأديب (¬3)، وأهمل في "الروضة" هذا البحث، وهو بحث حسن، ويقوى بما قاله المحققون: أنَّه لو قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبا، وتيقنا أو ظننا ظنا مؤكدأ أن الجاني لا يموت بتلك الضربات .. فلا تراعى المماثلة، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن الإمام (¬4)، وكذا لو لاطَ بصبي فمات وقلنا: يدس في دبره خشبة قريبة من آلته .. فلا يفعل إذا لم يتوقع موته بذلك، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن "التتمة" (¬5).
5183 - قول "المنهاج" [ص 514]: (بحبس أو ضرب أو صفع أو توبيخ) فيه أمور:
أحدها: أنَّه يقتضي أنَّه ليس له الجمع بينها ولا بين نوعين منها، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": أن له الجمع بين الحبس والضرب (¬6)، ولذلك قال "الحاوي" [ص 596]: (حبسا ولومًا وجلدًا).
ثانيها: ظاهر عبارتهما التخيير بين هذه الأمور، وليس كذلك، بل لا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما فى ونها كافيًا، حكاه الإمام عن الأصحاب، وأقره في "الروضة" وأصلها (¬7)، وقد يدل عليه قول "المنهاج" بعده [ص 514]: (ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) فإن المراد: الاجتهاد في الأصلح واللائق.
ثالثها: ظاهر كلامهما أنَّه لا يتعين للحبس مدة، وليس كذلك، بل شرطها النقص عن سنة، وقد نص عليه في "الأم" في قتل المؤمن الكافر، فقال: (ولا يبلغ بحبسه سنة) (¬8)، ولم يطلع الإمام على هذا النص، فحكاه في "الغياثي" عن بعض الفقهاء، وقال: إنه فالممد، وليس التغريب حدًا كاملًا، وإنَّما هو جزء من حد، وحكى ابن الرفعة عن الزبيري تقديرها بستة أشهر، وهو محمول على العبد، ومع ذلك: ففي التعبير تساهل؛ فالمعتبر نقصها عن ستة أشهر.
¬__________
(¬1) انظر "نهاية المطلب" (17/ 347).
(¬2) الحاوي (ص 489).
(¬3) انظر "فتح العزيز" (11/ 293).
(¬4) فتح العزيز (10/ 278)، وانظر "نهاية المطلب" (16/ 181).
(¬5) انظر "فتح العزيز" (10/ 276).
(¬6) الروضة (10/ 174).
(¬7) فتح العزيز (11/ 289)، الروضة (10/ 174)، وانظر "نهاية المطلب" (17/ 362).
(¬8) الأم (6/ 38).

الصفحة 260