كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)

وملّ الركب رسيمه وزميله، وأخذ كلٌّ منّا يرتاد مقيله، اتفقنا على أن لا نطعم طعماً، ولا نذوق مناناً، حتّى نقول في صورة تلك الحال، وذلك التّرحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون واعتذر، وأخذت عفو خاطري، فقلت أتربص به (1) ، وأعرّض بعظم لحيته:
ألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإنّ السيف قد ضمن الشفاء
ولم أر كالنفاق شكاة حرٍّ ... ولا كدم الوريد له دواء
وقد دحي النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء
وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... مذ أعشب شعر لحيته ضراء وقال ابن خفاجة أيضاً: حضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تحاوروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به:
صلني لك الخير برمّانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد
لا عنباً أمتصّ عنقوده ... ثدياً كأني بعد في المهد
وهل يرى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنّهد فخجل خجلاً شديداً وانصرف.
قال: وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السّمّارين، ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة 480، وإذا بالفقيه أبي عمران ابن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، مستأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:
__________
(1) البدائع: أريض نار نزوته.

الصفحة 319