كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)
[أخبار عن المروانيين]
122 - وحكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوماً عند ابن باجة والشاعر أبو الحسن ابن جودي هناك، فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب، فتشوف أبو الحسن ابن جودي لمعرفته، وكان إذ ذاك فتيّ السن، فقال له: من أنت أكرمك الله تعالى فقال: هلا سألت غيري عني فيكون ذلك أحسن لك أدباً ولي توقيراً، فقال ابن جودي: قد سألت من المعرف عنك فلم يعرفك، فقال: يا هذا، لطالما مر علينا زمان يعرفنا من يجهل، ولا يحتاج من يرانا فيه إلى أن يسأل، وأطرق ساعة، ثمّ رفع رأسه وأنشد:
أنا ابن الألى قد عوّض الدهر عزّهم ... بذلٍّ وقلوا واستحبّوا التنكرا
ملوكٌ على مرّ الزمان بمشرقٍ ... وغربٍ دهاهم دهرهم وتغيّرا
فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم ... فإن حياة الرّزء أن يتذكّرا ففطن ابن جودي أنه منبني مروان، فقام وقبّل رأسه، واعتذر إليه، ثمّ انصرف المرواني، فقال ابن باجة لابن جودي: أساء أدبك بعد ما عهدت منك كيف تعمد إلى رجل في مجلسي تراني قد قربته وأكرمته وخصصته بالإصغاء إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه فاحذر أن تكون لك عادة، فإنها من أسوء الأدب، فقال ابن جودي: لم أزل من الشيخ على ما قاله أبو تمام:
نأخذ من ماله ومن أدبه (1) ... 123 - وحكي أن بكاراً المرواني (2) لمّا ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل، قال صاحب السقط: إنه اجتمع به في أشبونة فقال: قصدت منزله بها، ونقرت
__________
(1) صدر البيت: ننقل أسبابنا إلى ملك.
(2) انظر أخبار بكار وأشعاره في المغرب 1: 415.