كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)
لله من قال لمّا ... شكوت فيه نحولي
أمّا السبيل لوصولٍ ... فما له من وصول
فقلت حسبي التماحٌ ... بحسن وجهٍ جميل
وجهٌ تلوح عليه ... علامةٌ للقبول
فقال دعني فهذا ... تعرّضٌ للفضول
فقلت عاتب وخاطب ... بالأمن أهل العقول فملأ سمعي عجائب، وبسط أنسي، وكتبت كل ما أنشدني، ثمّ قلت له: لولا خوفي من التثقيل عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتّى لا تجد ما تنشد، فقال: إن عدت إن شاء الله تعالى إلى هنا تذكرت، وأنشدتك، فما عندي ممّا أضيفك غير ما سمعت، وما تراه، ثمّ قام وجاء من بيت آخر في داره بصحفة فيها حساً من دقيق وكسور باردة، فجعل يفتّ فيها، ثمّ أشار إليّ أن أشرب فشبت ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها (1) ، ثمّ قال لي: هذا غذاء عمك نهاره، وإنه لنعمة من الله تعالى أستديم بشكرها اتصالها، قال: فقلت له: يا عم، ومن أين عيشك فقال: يا بني، عيشي بتلك الشبكة أصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به، ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد فيه معونة، وهذا مع العافية والاستغناء عن النّاس خيرٌ كثير، جعلنا الله تعالى ممّن يلقاه على حالة يرضاها، وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة. قال: فتركته وقمت وفي نيّتي أن أعود إلى زيارته، ونويت أن يكون ذلك بعد أيّام خوف التثقيل، فعدت إليه بعد ثلاثة أيّام، فنقرت الباب، فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر حزن، وقالت: إن الشيخ خرج إلى الغزو، وذلك بعد انفصالك عنه بيوم، ناله كالجنون، فقلت له: ما شأنك فقال: أريد أن أموت شهيداً في الغزو، وهؤلاء جيران لي قد
__________
(1) ب: على آخره.