كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)

الوزير الصحب شمس الدين محمد الجويني حمّاماً متقن الصنعة، حسن البناء، كثير الأضواء، قد احتفّت به الأزهار والأشجار، فأدخلني إليه سائسه، وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشىء الإربلي، وكان سائس هذا الحمّام خادماً حبشياً كبير السن والقدر، فطاف بي عليه، وأبصرت مياهه وشبابيكه وأنابيبه المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوّت بأصوات طيبة، ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان، ثمّ منها إلى البستان، ثمّ أراني نحو عشر خلوات، كلّ خلوة صنعتها أحسن من صنعة أختها، ثمّ انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد، ففتحه، ودخل بي إلى دهليز طويل كلّه مرخم بالرخام الأبيض الساذج، وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة أنفس إذا كانوا قعوداً وتسع اثنين إذا كانوا نياماً، ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة، يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها، ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة وكلّها متخذة من بلّور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر، فأما الأخضر فيقال إنّه حجارة تأتي من الروم، وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب، وتلك الصورة في غاية الحسن والجمال، على هيئات مختلفة في اللون وغيره، وهي ما بين فاعل ومفعول به، إذا نظر المرء إليها تحركت شهوته، وقال لي الخادم السائس: هذا صنع على هذه الصفة لمخدومي، حتّى إنّه إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على أعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً، فيبادر إلى مجامعة من يحبه.
قال الحاكي: وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي دخلت إليها هي مخصوصة بهذا الفعل، إذا أراد الملك شرف الدين هرون الاجتماع في الحمّام بمن يهواه من الجواري الحسان والصور الجميلة والنساء الفائقات الحسن لم يجتمع به إلاّ في هذه

الصفحة 349