كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)

الخلوة، من أجل أنه يرى كل محاسن الصور الجميلة مصوّرة في الحائط ومجسمة بين يديه، ويرى كل منهما صاحبه على هذه الصفة، ورأيت في صدر الخلوة رخام مضلع وعليه أنبوب مركب في صدره، وأنبوب آخر (1) برسم الماء البارد، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر، وعن يمين الحوض ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الندّ والعود، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموالٌ كثيرة، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة: من أي شيء صنعت فقال لي: ما أعلم.
قال الحاكي: فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة، ولا بأحسن من ذلك الحمّام، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما، فإنه لم تتكرر رؤيتي لهما، ولا اتفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما، وفي الذي ذكرت كفاية.
انتهى.
[دار جمال الملك البغدادي]
ولمّا اتصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دوراً أخرى إلى جانبها، وهدم الكل وأنشأ داره الكبيرة، وأعانه الخليفة في بنائها، وأطلق له أموالاً وآلات البناء، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرّة وأجريت الدار بالذهب، وصنع فيها الحمّام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يميناً خرج ماء حار وإن فركه شمالاً خرج ماء بارد، وكان على إيوان الدار مكتوباً (2) :
إن عجب الراءون من ظاهري ... فباطني لو علموا أعجب
__________
(1) ب: وعليه مركب في صورة أنبوب آخر برسم الماء؛ م: مركب في صدره أنبوب وآخر ...
(2) ب م: مكتوب.

الصفحة 350