كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)
كنت في زمن الربيع والورد في داري بنصيبين، وقد أحضر من بستاني من الورد والياسمين شيء كثير، وعملت على سبيل الولع دائرة من الورد تقابلها دائرة من الياسمين، فاتفق أن دخل علي شاعران كانا بنصيبين أحدهما يعرف بالمهذب والآخر يعرف بالحسن ابن البرقعيدي، فقلت لهما: اعملا في هاتين الدائرتين، ففكرّا ساعة ثمّ قال المهذب:
يا حسنها دائرةً ... من ياسمينٍ مشرق
والورد قد قابلها ... في حلّةٍ من شفق
كعاشقٍ وحبّه ... تغامزا بالحدق
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من فرق قال: فقلت للحسن: هات، فقال: سبقني المهذب إلى ما لمحته في هذا المعنى، وهو قولي:
يا حسنها دائرةً ... من ياسمينٍ كالحلي
والورد قد قابلها ... في حلّةٍ من خجل
كعاشقٍ وحبّه ... تغامزا بالمقل
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من وجل قال: فعجبت من اتفاقهما في سرعة الاتحاد، والمبادرة إلى حكاية الحال.
انتهى.
وما ألطف قول بعضهم:
أرى الورد عند الصبح قد مدّ لي فماً ... يشير إلى التقبيل في حالة اللّمس
وبعد زوال الشمس ألقاه وجنةً ... وقد أثّرت في وسطها قبلة الشمس