كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 3)
بعض من أراد ضره: يا سيدي لا تقرب هذا اللعين، فإنه قال في اليهودي:
ولكنّ عندي للوفاء (1) شريعةً ... تركت بها الإسلام يبكي على الكفر فقال رفيع الدولة: هذا والله هو الحر الذي ينبغي أن يصطنع، فلولا وفاؤه ما بكى كافراً بعد موته وقد وجدنا في أصحابنا من لا يرعى مسلماً في حياته. وقال فيه المنفتل (2) :
إن كنت أخفش عينٍ ... فإنّ قلبك أعمى
فكيف تنثر نثراً ... وكيف تنظم نظما ومن شعر الأخفش المذكور قوله:
إذا زرتم غبّاً فلم ألق بالبرّ ... وإن غبت لم أطلب ولم أجر في الذكر
فإنّي إذن أولى الورى بفراقكم ... ولا سيّما بعد التجلّد والصبر ولما وفد على المنصور ابن أبي عامر الشاعر المشهور أبو عبد الله محمد بن مسعود الغساني البجاني (3) اتهم برهق في دينه، فسجنه في المطبق مع الطليق القرشي، والطليق غلام وسيم، وكان ابن مسعود كلفاً به يومئذ وفيه يقول:
غدوت في السجن (4) خدناً لابن يعقوب ... وكنت أحسب هذا في التكاذيب
رامت عداتي تعذيبي وما شعرت ... أنّ الذي فعلوه ضدّ تعذيبي
راموا بعادي عن الدنيا وزخرفها ... فكان ذلك إدنائي وتقريبي
لم يعلموا أنّ سجني لا أبا لهم ... قد كان غاية مأمولي ومرغوبي
__________
(1) ب: في الوفاء.
(2) المغرب 2: 184.
(3) في الأصول ودوزي: البجالي؛ وترجمته في الجذوة: 86؛ وانظر الذخيرة 1 / 2: 79.
(4) الذخيرة: الجب.