كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 3)
137 صار ممّن تضرب به الأمثال، و تعقد الخناصر عليه فحول الرّجال.
ذكره الحافظ الذّهبىّ، فى «تاريخ الإسلام»، و شرح أحواله مفصّلة، و أسند أكثر ذلك إلى حكايته عن نفسه، و المرء أدرى بأحواله، و أعرف بأفعاله و أقواله.
قال: قال، كان أبى رجلا من أهل بلخ، فسكن بخارى فى دولة نوح بن منصور، و تولّى العمل و التّصرّف بقرية كبيرة، و تزوّج بأمّى فأولدها أنا و أخى، ثم انتقلنا إلى بخارى، و أحضرت معلّم القرآن و معلّم الأدب، و أكملت عشرا من العمر و قد أتيت على القرآن، و على كثير من الأدب، حتى كان يقضى منّى العجب.
و كان أبى ممّن أجاب داعى المصريّين، و يعدّ من الإسماعيليّة، و قد سمع منهم ذكر النفس و العقل، و كذلك أخى، فربّما تذاكروا و أنا أسمعهم و أدرك ما يقولونه، و لا تقبله نفسى، و أخذوا يدعوننى إليه، و يجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة و الهندسة و الحساب، و أخذ يوجّهنى إلى من يعلّمنى الحساب.
ثم قدم بخارى أبو عبد اللّه النّاتلىّ 1 الفيلسوف، فأنزله أبى دارنا، و قبل قدومه كنت أشتغل بالفقه و التّرددّ فيه إلى الشيخ إسماعيل/الزّاهد، و كنت من أجود السّالكين، و قد ألفت المناظرة و البحث، ثم ابتدأت على النّاتلىّ بكتاب «إيساغوجى»، و لمّا ذكر لى أنّ حدّ الجنس هو المقول على كثيرين مختلفين بالنّوع، و أخذته فى تحقيق هذا الحدّ بما لم يسمع بمثله، تعجّب منّى كلّ التّعجّب، و حذّر والدى من شغلى بغير العلم، و كان أىّ مسألة قالها لى أتصوّرها خيرا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، و أمّا دقائقه فلم يكن عنده منها خبر. 2
ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسى، و أطالع الشّروح، حتى أحكمت علم المنطق، و كذلك كتاب أقليدس، فقرأت من أوّله إلى خمسة أشكال أو ستّة عليه، ثم تولّيت بنفسى حلّ باقيه، و انتقلت إلى المجسطى، و لمّا فرغت من مقدّماته، و انتهيت إلى الأشكال الهندسيّة، قال لى النّاتلىّ: حلّها وحدك، ثم اعرضها علىّ، لأبيّن لك. فكم من شكل ما عرفه الرجل إلاّ وقت عرضته عليه، و فهّمته إيّاه.
1) فى عيون الأنباء: «النائلى»، و المثبت فى الأصول، و وفيات الأعيان 2/ 158. و الناتلى: نسبة إلى ناتل، و هى بليدة بنواحى آمل طبرستان. و ناتل أيضا بطن من الصدف، و ناتل كذلك فى قضاعة. اللباب 3/ 204.
2) فى ن: «شئ»، و المثبت فى: س، ط، و فى عيون الأنباء: «خبرة».