كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 3)

142 ثم إنّه خرج نحو أصبهان متنكّرا، و أنا و أخوه و غلامان له فى زىّ الصّوفيّة، إلى أن وصلنا إلى 1 طبران، و هى على باب أصبهان، و قاسينا شدائد، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ و ندماء الأمير علاء الدّولة و خواصّه، و حملوا إليه الثّياب و المراكب، و بالغ علاء الدّولة فى إكرامه، و صار من خاصّته.
و قد خدمت الشيخ و صحبته خمسا و عشرين سنة، و جرت مناظرة فقال له بعض اللّغويّين: إنّك لا تعرف اللغة. فأنف الشيخ، و توفّر على درس اللّغة ثلاث سنين، فبلغ طبقة عظيمة من اللغة، و صنّف بعد ذلك كتاب «لسان العرب»، و لم يبيّضه.
قال: و كان الشيخ قوىّ القوى كلّها، و كان قوّة المجامعة من قواه الشّهوانيّة أقوى و أغلب، و كان كثيرا ما يشتغل به، فأثّر فى مزاجه، و كان يعتمد على قوّة مزاجه، حتى صار أمره إلى أن أخذه القولنج، و حرص على برئه حتى حقن نفسه فى يوم ثمانى مرّات، فتقرّح بعض أمعائه، و ظهر به سحج 2، و سار مع علاء الدّولة، فأسرعوا نحو إيذج، 3 فظهر به هناك الصّرع الذى قد يتبع علّة القولنج، و مع ذلك كان يدبّر نفسه و يحقن نفسه لأجل السّحج، فأمر يوما باتّخاذ دانقين من بزر الكرفس، /فى جملة ما يحتقن به، طلبا لكسر الرّياح، فقصد بعض الأطبّاء الذى كان هو يتقدّم إليه بمعالجته، فطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم، لست أدرى أعمدا فعله أم خطأ، لأننى لم أكن معه، فازداد السّحج به من حدّة البزر، و كان يتناول المنزود يطوس؛ لأجل الصّرع، فقام بعض غلمانه و طرح فيه شيئا كثيرا من الأفيون، و ناوله فأكله، و كان سبب ذلك خيانتهم فى مال كثير من خزائنه، فتمنّوا هلاكه ليأمنوا، فنقل الشيخ إلى أصبهان، و بقى يدبّر نفسه، و اشتدّ ضعفه، ثم عالج نفسه حتى قدر على المشى، لكنّه مع ذلك يكثر المجامعة فكان ينتكس.
ثم قصد علاء الدّولة همذان، فسار الشيخ معه، فعاودته تلك العلّة فى الطريق، إلى أن وصل همذان، و علم أنّه قد سقطت قوّته، و أنّها لا تفى بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه، و أخذ يقول: المدبّر الذى كان يدبّر قد عجز عن التّدبير، و الآن فلا تنفع المعالجة. و بقى على هذا أيّاما، و مات عن ثلاث و خمسين سنة. انتهى قول أبى عبيد.

1) ساقط من: س، ط، و هو فى: ن، و عيون الأنباء.
2) السحج: التقشر.
3) فى الأصول: «إيذخ»، و التصويب من عيون الأنباء. و إيذج: كورة و بلد بين خوزستان و أصبهان. معجم البلدان 1/ 416.

الصفحة 142