كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 3)

144 و ليعلم أنّ أفضل الحركات الصّلاة، و أمثل السّكنات الصّيام، و أنفع البرّ الصّدقة، و أزكى السّرّ الاحتمال، و أبطل السّعى المراءاة، و أنّ تخلّص النّفس عن الدّرن ما التفتت إلى قيل و قال، و منافسة و جدال، و انفعلت بحال من الأحوال، و خير العمل ما صدر عن/خالص نيّة، و خير النّيّة ما ينفرج عن جناب علم، و الحكمة أمّ الفضائل، و معرفة الله أوّل الأوائل، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّاالِحُ يَرْفَعُهُ) 1.
إلى أن قال: و أمّا المشروب فيهجر شربه تلهّيا، بل تشفّيا و تداويا، و يعاشر كلّ فرقة بعادته و رسمه، و يسمح بالمقدور و التّقدير من المال، و يركب لمساعدة الناس كثيرا ممّا هو خلاف طبعه، ثم لا يقصّر فى الأوضاع الشّرعيّة، و يعظّم السّنن الإلهيّة، و المواظبة على التّعبّدات البدنيّة.
إلى أن قال: عاهد الله أنّه يسير بهذه السّيرة، و يدين بهذه الدّيانة، اَللّاهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا.
و من شعره القصيدة الطّنّانة، التى قالها فى النّفس، و ولع الناس بشرحها، و حلّ رموزها، و كشف غوامضها، و هى هذه:

هبطت إليك من المحلّ الأرفع
و رقاء ذات تعزّز و تمنّع

محجوبة عن كلّ مقلة عارف
و هى التى سفرت و لم تتبرقع

وصلت على كره إليك و ربّما
كرهت فراقك و هى ذات تفجّع

ألفت و ما ألفت فلمّا واصلت
ألفت مجاورة الخراب البلقع 2

و أظنّها نسيت عهودا بالحمى
و منازلا بفراقها لم تقنع

حتّى إذا اتّصلت بهاء هبوطها
من ميم مركزها بذات الأجرع

علقت بها هاء الثّقيل فأصبحت
بين المعالم و الطّلول الخضّع

تبكى إذا ذكرت ديارا بالحمى
بمدامع تهمى و لمّا تقلع 3

و تظلّ ساجعة على الدّمن التى
درست بتكرار الرّياح الأربع

إذ عاقها الشّرك الكثيف و صدّها
قفص عن الأوج الفسيح الأريع

1) سورة فاطر 10.
2) فى عيون الأنباء: «أنفت و ما أنست».
3) فى عيون الأنباء: «و لما تقطع»، و فى وفيات الأعيان 2/ 160 «تبكى و قد نسيت عهودا بالحمى».

الصفحة 144