كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 3)

236 و روى أن محمد بن قحطبة قدم الكوفة، فقال: أحتاج إلى مؤدّب يؤدّب أولادى، حافظ لكتاب اللّه، عالم بسنّة/رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و بالآثار، و الفقه، و النّحو، و الشعر، و أيّام الناس.
فقيل له: ما يجمع هذه الأشياء إلا داود الطّائىّ.
و كان محمد بن قحطبة ابن عمّ داود، فأرسل إليه يعرض ذلك عليه، و يسنّى له الأرزاق و الفائدة، فأبى داود ذلك، فأرسل إليه بدرة عشرة آلاف درهم، و قال: استعن بها على دهرك. فردّها.
فوجّه إليه ببدرتين، مع غلامين له مملوكين، و قال لهما: إن قبل البدرتين فأنتما حرّان.
فمضيا بهما إليه، فأبى أن يقبلهما، فقالا له: إنّ فى قبولهما عتق رقابنا.
فقال لهما: إنّى أخاف أن يكون فى قبولهما وهق رقبتى فى النار، ردّاهما إليه، و قولا له 1: إنّ ردّهما على من أخذتهما منه أولى من أن تعطينى أنا.
قال إسماعيل بن حسّان: جئت إلى باب داود الطّائىّ، فسمعته يخاطب نفسه، فظننت أنّ عنده أحدا، فأطلت القيام على الباب، ثم استأذنت فدخلت، فقال: ما بدا لك فى الاستئذان؟.
قلت: سمعتك تتكلّم، فظننت أنّ عندك أحدا.
قال: لا، و لكن كنت أخاصم نفسى، اشتهت البارحة تمرا، فخرجت فاشتريت لها، فلما جئت به اشتهت جزرا، فأعطيت الله عهدا أن لا آكل تمرا و لا جزرا حتى ألقاه.
و قال عبد اللّه بن المبارك 2: قيل لداود، و قد تصدّع حائط له: لو أمرت برمّه؟.
فقال داود: كانوا يكرهون فضول النّظر.
و قال ابن أبى عدىّ: صام داود الطّائىّ أربعين سنة ما علم به أهله، كان خزّازا، و كان

1) جاء القول فى تاريخ بغداد 8/ 439 هكذا: «و قولا له يردهما على من أخذهما منه أولى من أن يعطينى أنا».
2) تاريخ بغداد 8/ 349.

الصفحة 236